أيار (مايو) 2017 العدد 196

  • 1 - 31 أيار 2017

كيف نبني مستقبل العمل العربي المشترك؟!

 

أظهرت نتائج الاستبيان السنوي لاتحاد الغرف العربية عن منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى أنّ المعوقات التي تواجه التجارة العربية البينية في إطار منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، تزداد وتيرتها بين البلدان العربية أكثر فأكثر، نتيجة المغالاة في القيود الفنية وتعدد الجهات والمعايير المتصلة بالسلع الغذائية، إلى جانب غيرها من القيود الجمركية وغير الجمركية والمعوقات اللوجستية، حيث أرخى تزاحم التحديات من جراء ضعف انتعاش الاقتصاد العالمي، والتراجع الكبير في أسعار النفط في الأسواق العالمية، ناهيك عن التحولات التاريخية والصراعات المدمرة المستمرة في عدد من الدول العربية وتداعياتها الشديدة الأثر، بثقلها على البيئة التجارية العربية لصالح تزايد الحماية التجارية.

ونظراً لعدم الاستقرار في المنطقة والأزمات التي طال أمدها في بعض الدول العربية وندرة الحوارات الاجتماعية وارتفاع معدلات البطالة واتساع أوجه عدم المساواة وعدم كفاية الإصلاحات الاقتصادية، فإنّ السؤال المطروح هو كيف لنا أن نبني مستقبل العمل العربي المشترك، بحيث نُنشئ أسواق عملٍ متينة ونضع سياسات تشغيل ذكية لا تُعزز النمو فحسب، بل تدعم أيضاً السِلم والاستقرار، وتمنع العنف والضعف، وتبني القدرة على مواجهة الأزمات؟

إنّ الشابات والشبان بعمر 15-24 عاماً يشكلون 18 في المائة من سكان الشرق الأوسط ودول الخليج (باستثناء مصر ودول المغرب العربي)، ويُتوقع ارتفاع عددهم بنسبة 43 في المئة ليصل إلى 41 مليوناً عام 2050. وهو أضخم عددٍ من الشباب سوف ينتقل إلى مرحلة البلوغ في تاريخ المنطقة، ويدخل أسواق العمل فيها، في ظل واقع تشهده البلدان العربية حيث هناك أعلى معدل إجمالي لبطالة الشباب في العالم (10.2 في المئة)، ويُتوقع أن يرتفع عدد سكانها في سن العمل بمقدار 76 مليوناً أي 77 في المئة ليصل إلى 175 مليوناً في السنوات الـ 35 المقبلة.

إذا، كيف لنا هيكلة اقتصاداتنا وتنويعها بما يكفل خلق فرص عمل لائق على نطاق واسع في المستقبل، بخاصة للشباب؟ كيف يمكننا تطوير مهارات العمال كي يصبحوا مؤهَّلين لفرص العمل في المستقبل؟ ما السياسات التي تعزز بيئة أعمال نابضة بالحياة وقادرة على استقطاب استثمارات كبيرة وخلق فرص عمل أكثر في القطاع الخاص؟ وما الإجراءات التي تزيد فاعلية سياسات توطين اليد العاملة؟

إلى جانب شبابنا، لننظر أيضاً إلى من هم فوق 65 عاماً، والذين سيتضاعف عددهم في البلدان العربية أكثر من خمس مرات، من 5 ملايين إلى 27 مليوناً عام 2050. ويشكل ذلك تحديات مستقبلية تهدد الاستدامة المالية لأنظمة الضمان الاجتماعي غير الملائمة حالياً والتي ترزح تحت ضغوط تباطؤ النمو الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة والفقر وتوسع الاقتصاد غير المنظَّم. ويُرجَّح أن تواجه تلك الأنظمة مزيداً من التحديات من قبيل ظهور أشكال جديدة للعمل وعولمة سلاسل التوريد.

كيف نعيد هيكلة أنظمة الضمان الاجتماعي في المنطقة بحيث تغطي العمال وأفراد أسرهم قاطبة؟ كيف يمكن للدول الإعلاء من شأن تطوير الحماية الاجتماعية بوصفها حقاً من حقوق الإنسان.

فلننظر إلى ما يخبئه مستقبل العمل للمرأة في منطقة تفتقر إلى التكافؤ في الحقوق بين الجنسين وبعض معدلات بطالة المرأة فيها هي الأعلى في العالم. فمعدل مشاركة المرأة في القوى العاملة لا يتجاوز 21 في المئة مقابل 77 للرجل، ما يعني هدر طاقات اقتصادية كبيرة. ولذلك، يجب أن تغدو زيادة هذا المعدل من الأولويات في المنطقة.

ما التدابير التي نستطيع اتخاذها كي تحصل النساء الموجودات حالياً في القوى العاملة أو اللواتي على وشك الانضمام إليها على فرص عملٍ لائقة في المستقبل؟ ما السياسات التي يجب وضعها لتعزيز فرص ريادة الأعمال للمرأة؟ كيف نزيل الحواجز التي تَحول دون استثمار المرأة طاقاتها كاملة في اقتصاد المنطقة ومجتمعها؟

تستدعي الصعاب المشتركة التي نواجهها إجراء تغييرٍ جذري في نمط سياساتنا الحالية. فعلى صعيد فرص العمل، ستُسفر السياسات الحالية عن نمو فرص العمل بنسبة 2.3 في المئة سنوياً في السنوات الخمس المقبلة. ولكن هذا النمو لا يلبي الستة ملايين فرصة عمل التي علينا خلقها في البلدان العربية بحلول عام 2020، ناهيك بـ 13 مليون فرصة عمل يجب توفيرها في العقد المقبل.

ليس للأسئلة المطروحة هنا أجوبة يسيرة، وليس بمقدور فرد أو جماعة بعينها اجتراح كل الحلول.

لذا، فلا بدّ من الاحتكام إلى منظَّمة العمل الدوليَّة التي تشجعّ البلدان العربية على إجراء حوارات وطنية حول مستقبل العمل لتحضير اقتصاداتها للتغييرات التي يشهدها عالم العمل في المنطقة والعالم، ولوضع سياساتٍ فعالة تعالج ذلك وترسم مستقبل العمل. 

إحصل على اشتراك سنوي في مجلة العمران العربي

اشترك الآن