شباط (فبراير) 2017 العدد 193

  • 1 - 28 شباط 2017

البلدان العربية ومتطلبات أهداف التنمية المستدامة


خصص منتدى الاقتصاد العالمي الذي استضافته مدينة «دافوس» السويسرية خلال شهر كانون الثاني الماضي، بحضور حوالي ثلاثة آلاف من قادة العالم الاقتصاديين والسياسيين، جلسة خاصة عن مستقبل الاقتصادات العربية في ظل التحديات التي تطرحها ما يعرف بـ«الثورة الصناعية الرابعة»، وعصر التكنولوجيا الذي بدأ يفرض واقعا جديدا في المنطقة والعالم.

وشارك في هذه الجلسة رئيس الحكومة التونسي يوسف الشاهد، ووزير التجارة والصناعة المصري طارق قابيل، والرئيس التنفيذي لشركة الاتصالات السعودية خالد بياري، والرئيس التنفيذي لشركة تطبيقات «بلوك تشين» بيتر سميث.

وأجمع المشاركون على ضرورة تهيئة الاقتصادات العربية لاستيعاب الطفرة التكنولوجية الحالية، التي تهدد آلاف، إن لم يكن ملايين، الوظائف. واتفق المشاركون على أن الطريقة الأنسب للاستفادة من هذه الطفرة في تنمية الاقتصادات الوطنية، دون تهميش الوظائف التقليدية وإخراج آلاف عمال المصانع وموظفي الإدارات من أعمالهم، هي عبر تطوير وإصلاح ثلاثة جوانب أساسية؛ هي البنية التحتية، والتعليم والمهارات، والقوانين التنظيمية.

استناداً إلى ما خلص إليه المشاركون في هذه الجلسة، فإنّ السؤال الأهم والبديهي هو هل البلدان العربية التي تجهد لمواجهة واستيعاب الطفرة التكنولوجية من حيث التعليم والمهارات، قادرة في الوقت ذاته على تطوير وتعزيز بيئة مناسبة فيما يتعلق بالقوانين التنظيمية، بما يضمن لها اللحاق في ركب الثورة الصناعية الرابعة، وبالتالي تحقيق أهداف التنمية التي جلّ ما تحتاجه البلدان العربية في هذه المرحلة الدقيقة التي تمرّ بها على المستوى الداخلي ووسط المتغيرات المتسارعة على المستوى العالمي؟

لا شكّ أنّ البلدان العربية تواجه تحديا لا تحسد عليه، وهو تحقيق التوازن بين سن القوانين التنظيمية المرنة لاستيعاب التغيرات السريعة والكبيرة التي يطرحها التقدم التكنولوجي، وبين الحفاظ على الأمن والاستقرار عبر منع متطرفين ومجرمين إلكترونيين من استخدام هذه المنصات لصالحهم.

وهنا تبدو أهمية إصلاح الأنظمة التعليمية في العالم العربي وتطوير المهارات التقنية المطلوبة لوظائف المستقبل، حاجة ضرورية وأساسية، مع الأخذ بعين الاعتبار ضرورة أن تلتحق الشركات في المنطقة العربية بقاطرة التحول التكنولوجي عبر توفير برامج تدريبية لموظفيها بهدف تعزيز مهاراتهم وتطويرها حسب الاحتياجات.

ما سبق يدفعنا إلى السؤال عن الدور المحوري الذي يمكن أن يلعبه القطاع الخاص العربي لتحقيق أهداف التنمية المستدامة؟

بالتأكيد للقطاع الخاص العربي دور جوهري وأساسي خصوصا وأنّه مثّل رافعة النهوض بالاقتصاد العربي على مدى العقود الماضية بالتوازي مع الدور الذي يضطلع به القطاع العام، لكن على الرغم من ذلك بالتأكيد هناك تحديات يواجهها القطاع الخاص في العالم العربي لمواكبة جهود التنمية الاقتصادية والإصلاحات التي يقودها القطاع العام.

فالقطاع الخاص في المنطقة يحتاج إلى إصلاح سوق العمل وقدرة العاملين على التنقل، وإصلاح قوانين الإفلاس، وتسهيل إجراءات إنشاء الشركات، وهي عملية تتطلب في بعض دول المنطقة 90 إجراء قانونياً، وتصل مدتها إلى سنة كاملة. فضلا عن ذلك المطلوب تعزيز العقود بين مؤسسات القطاعين الخاص والعام، إلى جانب إصلاح عمليات الوساطة التجارية، وأخيراً اعتماد قواعد الحوكمة الجيدة والشفافية.

من حيث المنطق هذه الإصلاحات قابلة للتنفيذ في المدى القصير إلى المتوسط، لكن هناك إصلاح رئيسي يبدو مطلوبا وملحّا في المرحلة الراهنة لتصحيح مسار الاقتصادات العربية، يقوم على تحقيق التوازن بين المهارات المطلوبة في القطاعين الخاص والعام ومنظومة التعليم، فمثلا يواجه العالم العربي مشكلة جوهرية وهي أنّ أصحاب «الشهادات العالية» يعانون أكثر نسبة بطالة بالمقارنة مع غيرهم.

من هنا نرى أنّ إصلاح المنظومة التعليمية في المنطقة يرقى إلى «أولوية» لضمان الاستقرار الاقتصادي والسياسي في بلداننا العربية، إذ في الوقت الذي تحتاج فيه المنطقة إلى خلق 100 مليون فرصة عمل خلال السنوات العشر المقبلة، يعد هذا الهدف أساسيا، ليس في تطوير اقتصاداتنا فحسب، بل في ضمان الاستقرار، خصوصا أنّ البلدان التي عانت تبعات الثورات كانت تعاني قبل ذلك مستويات بطالة مرتفعة، أغلبها سببه عدم التطابق بين حاجيات سوق العمل والمهارات الموجودة.

إحصل على إشتراك مجلة العمران العربي السنوية

اشترك الآن