حزيران (يونيو) 2017 العدد 197

  • 1 - 30 حزيران 2017

العالم العربي.. مكافحة الفساد ومسار بناء الدولة

 

يمثّل الفساد أكبر المشكلات العالمية التي تجمع المؤسسات المحلية والدولية على اعتبارها العقبة الرئيسة أمام الإصلاح والتنمية والاستثمار الصحيح. وعلى الرغم من أنّ معظم الحكومات والقيادات السياسية تعلن أن برنامجها هو مكافحة الفساد، يظلّ (الفساد) عمليا غائبا عن برامج الحكومات والمؤسسات المختلفة، ذلك أن القضاء على الفساد ليس قرارا يتخذ، ولكنه منظومة من الأعمال والإصلاحات وإعادة بناء لأنظمة المجتمعات والدول التعليمية والاجتماعية والإدارية والوطنية.

وفي العالم العربي أخذ الفساد أشكالاً متعددة ومتنوعة، وقد تسببت طبيعة الأنظمة السياسية في تعميم ظاهرته، بوصفها أداة سلطوية لإعادة توزيع الثروة في المجتمع.

وعلى الرغم من أنّ العديد من البلدان العربية، استطاعت أن تحدث نقلة نوعية على صعيد مكافحة الفساد، إلا أنّه وفقا لـ "مؤشر مدركات الفساد" سجلت أغلب الدول العربية تراجعا وتفاقماً في معدلات الفساد خلال العام 2016 المنصرم، وقياساً لنتائج العام 2015 فلا نجد أي دولة عربية ضمن الدول العشرين الأولى في العالم، بينما يزدحم ذيل القائمة بأكثر من 7 دول عربية تحوز معدلات متدنية جداً في الشفافية والنزاهة.

وباستثناء تونس التي تقدمت مركزاً واحداً في الترتيب العالمي وثلاث نقاط في المؤشر، فإن كل الدول العربية قد تراجع ترتيبها عن مؤشر العام 2015.

فقطر التي كانت تحتل المركز الأول عربياً والـ 22 عالمياً بـ 71 نقطة، تراجعت للمركز 31 بـ61 نقطة، لتحلّ الإمارات في المركز الأول عربياً والـ24 عالمياً بـ66 نقطة لكنها هي الأخرى تراجعت، إذ كانت تحتل المركز 23 بـ70 نقطة. وتراجعت المملكة العربية السعودية 14 مركزاً في الترتيب العالمي، واحتلت المركز 62 بـ 46 نقطة فيما كانت في العام الماضي تحتل المركز 48 عالمياً بـ 52 نقطة. كما تراجعت مصر بـ 20 مركزاً، لكن عدد نقاطها لم يتراجع سوى نقطتين.

وحافظ الأردن على المركز الثالث عربياً للعام الثاني على التوالي لكنه تقهقر في الترتيب العالمي من المركز 45 بـ 53 نقطة في العام 2015 إلى المركز 57 بـ48 نقطة خلال 2016. واحتلت سبع دول عربية هي: العراق، ليبيا، سوريا، اليمن، السودان والصومال مراكز ضمن الدول الـ 15 الأخيرة في الترتيب العالمي، وحلت الصومال في أخر الترتيب بعشر نقاط فقط.

وبينما نرى التراجع المخيف الذي شهدته الدول العربية في ترتيب مؤشر مدركات الفساد، نجد أنّ بلدا أفريقيا مثل تنزانيا على سبيل المثال بدأ ترتيبها يتحسّن في المؤشّر، والفضل في ذلك يعود إلى الإجراءات التي يتخذها الرئيس التنزاني جون ماغفولي منذ انتخابه رئيسا لتنزانيا على صعيد محاربة ومكافحة الفساد، حيث لم يتوان عن طرد 9900 موظفا مدنيا على الفور نتيجة تعيينهم في وظائف بشهادات مزورة. كما أنه ألغى مظاهر البذخ في احتفالات يوم الاستقلال، لتوفير الأموال من أجل محاربة وباء الكوليرا، وخفّض ميزانية المآدب الرسمية خلال الاحتفال لافتتاح البرلمان، واستخدم فائض الأموال لشراء أسرّة للمستشفيات، وحظر السفر إلى الخارج لجميع موظفي الحكومة، باستثناء الرئيس ونائب الرئيس ورئيس الوزراء.   

ما أحوجنا في بلداننا العربية إلى تعميم ظاهرة العقاب والثواب وملاحقة المتورطين في قضايا الفساد واستغلال السلطة والنفوذ، وانطلاقا من ذلك، فإنّه بنظرنا ينبغي لعلاج مختلف أنواع الفساد المتفشي في مجتمعاتنا العربية، علاج مقدمات الفساد لا نتائجه فقط، وألا يقتصر العلاج على الفساد الصغير والمفسدين الصغار، وإنما ضرورة أن تطال العملية الإصلاحية المطلوبة على هذا الصعيد الفساد الكبير قبل الصغير، فالقضاء على الفساد الصغير غير مجدٍ مع بقاء الفساد والمفسدين الكبار.

والعملية هنا تستوجب القضاء على كليهما، كما أنّ المسألة هي ليست المناداة بالقضاء على الفساد دون وضع الأسس العقلانية الممهدة فعلياً لعلاجه، ولذلك فالمطلوب هو أن تجري – بدايةً - عملية واقعية وذات نَفَس طويل الأمد للتقليل من حجم الفساد وتقليص رقعة تأثيراته السلبية على الفرد والمجتمع والدولة. أما رفع الشعارات الواسعة والفضفاضة (الخارجة عن حدودنا وطاقاتنا وإمكاناتنا) لمكافحة الفساد والقضاء عليه، من دون المبادرة عملياً لاتخاذ الإجراءات العملية والتنفيذية البسيطة المطلوبة فإن هذا العلاج لا يعدو أن يكون أكثر من تكريس لمعادلات الفساد القائمة.

لذلك ينبغي الالتزام بمنظومة قيم وأخلاق إنسانية ودينية وقانونية في مجتمعاتنا، وهي أساساً موجودة ولكنها تحتاج إلى تفعيل على مستويات ثلاثة: فردية ومجتمعية ومؤسساتية (سياسية-اقتصادية).

إحصل على إشتراك النشرة الاقتصادية العربية السنوية

اشترك الآن