تموز (يوليو) 2017 العدد 198

  • 1 - 31 تموز 2017

استمرار انخفاض أسعار النفط.. وآثاره على البلدان العربية

 

سجلت أسعار النفط أدنى مستوياتها في 9 أشهر خلال الشهر المنصرم حيث اقترب الخام الامريكي من سعر 42 دولار للبرميل ونفط برنت وصل إلى ما دون سعر 44.50 دولار للبرميل، وهذا جاء بسبب عودة المخاوف من وفرة المعروض في الاسواق العالمية.

وكشف المحلل الاستراتيجي في بنك أوف أمريكا - ميريل لينش بول سيانا أن هذا الهبوط قد يستمر ليتخذ السوق منحى هبوطي قوي، حيث من المرجّع أن يصل مستويات قريبة من 30 دولار للبرميل الواحد.

بالتوازي تشير معلومات صدرت عن الأمانة العامة لمنظمة «أوبك»، إلى انخفاض الريع المالي الناتج عن الصادرات البترولية لأقطار المنظمة من 1.183 تريليون دولار عام 2012 إلى 446 بليوناً في 2016، ما يعني خسارة أقطار «أوبك» نحو 62 في المئة. وتشير معلومات منظمة «أوبك» إلى أرقام انخفاض ريع الصادرات النفطية للأقطار الأعضاء بين عامي 2012 و2016، كالآتي: السعودية من 337.5 بليون دولار إلى 134.4 بليون، وإيران من 101.5 بليون دولار إلى 41.1 بليون، والإمارات من 88 بليون دولار إلى 45.8 بليون، والكويت من 108.5 بليون دولار إلى 41.5 بليون، وقطر من 65.1 بليون دولار إلى 23 بليوناً.

ويبرز هذا التدهور الضخم في الريع المالي ثلاث ظواهر، الأولى قديمة ومعروفة، وتتمثل بخطورة الاعتماد الشامل للدول المصدرة على الريع المالي للصادرات النفطية، إذ إن المتغيرات في الأسعار شاسعة وسريعة، ما يؤدي إلى إرباكات وتحديات لموازنات الدول المصدرة وخططها. وبما أن اقتصادات هذه الدول تؤثر على كل من القطاعين العام والخاص، فهي تفضي بدورها إلى قلاقل اجتماعية وسياسية من الصعب التعامل معها عند انهيار الأسعار، خصوصاً إذا لم تتوافر بدائل اقتصادية كافية. وتُنتهز هذه الفرص للاستغناء الجماعي عن اليد العاملة الأجنبية. وأُقيل بالفعل في بعض الدول آلاف الموظفين والعمال من المؤسسات الحكومية، ناهيك عن الخسائر التي لحقت بالشركات الخاصة واضطرارها أيضاً إلى صرف الكثير من موظفيها، لخفض النفقات. الظاهرة الثانية حديثة العهد، إذ برزت مع ظهور صناعة النفط والغاز الصخريين في أميركا، والتي أحدثت تغيرات أساسية في الأسواق النفطية. إذ لا يمكن الشركات المنتجة للبترول الصخري الأميركي وحكومة الولايات المتحدة، التفاوض مع منظمة «أوبك» لخفض الإنتاج وتوازن الأسواق، لأن القوانين الأميركية تمنع التفاوض مع منظمات وشركات احتكارية، وهي صنفت «أوبك» احتكارية.

والظاهرة الثالثة مستقبلية متوسطة وبعيدة المدى، تتميز بتزايد العوامل المؤثرة في الصناعة البترولية، التي تشمل ازدياد الاعتماد على بدائل طاقة متعددة، واتفاقات المناخ وبرامج مكافحة التلوث ومعالجة ثاني أوكسيد الكربون، والاكتشافات في مياه البحار العميقة والقطب الشمالي. ويتوجب على الصناعة البترولية الأخذ في الاعتبار هذه العوامل الحديثة، وفي وقت تحسب تكاليفها التقليدية لتطوير الحقول. إذ أخذت بعض التكاليف الفنية تتقلص، لكن بدأت تبرز مؤثرات حديثة على الصناعة الهيدروكربونية. كما يوجد دور العوامل الجيوسياسية المتزايدة الخطورة، التي تؤثر مباشرة على الصناعة. وكانت هذه المؤثرات سابقاً تعتبر سبباً لزيادة الأسعار. أما الآن، ومع ازدياد الفرص لاكتشاف النفط والغاز في مناطق مختلفة من العالم، وزيادة الإمدادات وتحديداً تلك القريبة من الأسواق الضخمة، أخذت استثمارات الشركات تبتعد تدريجاً عن المناطق المثيرة للخلافات الجيوسياسية، لتطوير مناطق أقل عرضة للمشاكل. وإذا لجأت الشركات إلى المناطق الموعودة ذات الخلافات الجيوسياسية، فهي تفرض كلفة الأخطار على الدول المنتجة ذاتها. وخلافاً للسابق، تتوافر فرص كثيرة للشركات للعمل خارج الدول المنتجة التقليدية، خلافاً لما كان عليه الوضع سابقاً.

إضافة إلى ذلك، هناك التخوف من ازدياد دورات انهيار الأسعار ومدى إرباكها للصناعة. ولا يجب إغفال ظاهرة ازدياد استهلاك الطاقة (النفط والغاز) في الدول المنتجة ذاتها. إذ أخذ بعض هذه الدول يسجل أعلى معدلات الارتفاع لاستهلاك الطاقة، بحيث أخذت هذه الزيادات في حال عدم محاولة معالجتها والتعامل معها بسرعة، تهدد مستويات التصدير للسنوات المقبلة.