آب (اغسطس) 2017 العدد 199

  • 1 - 31 آب 2017

العالم العربي وتحديات الاستثمار في ظل الثورة الصناعية الرابعة

 

تسعى البلدان العربية، بدرجات متفاوتة، نحو بناء مجتمع المعلومات. وقد شهدت السنوات الاخيرة في معظم الدول العربية عمليات جادة لإطلاق اصلاحات اقتصادية وسياسية واجتماعية لبناء مجتمع المعلومات والاقتصاد المبنى على المعرفة. وعلى الرغم من أنّ عدداً من دول المنطقة قد أمكنه احراز تقدم ملموس في هذا المجال فلا يزال يتعين القيام بمزيد من الخطوات اللازمة للوصول إلى هذا الهدف الذي سينعكس ولا شك في رفع مستويات معيشة السكان ومكافحة الفقر وتحقيق التنمية المستدامة.

وفي هذا المجال فإنّه من المهم اتخاذ السياسات والمبادرات التي تستهدف تعزيز التعليم والتدريب والتوظيف للشباب، وإرشادهم لابتكار فرص عمل جديدة في شتى المجالات الحياتية، وإتاحة الفرص المتساوية للجنسين، وتمكين المرأة اقتصاديا وإنصافها تشريعيا، خاصة وأن العالم العربي لديه أعلى معدل بطالة في العالم.

ومن الأمور الأساسية في هذا الإطار أيضا وجود سياسات اقتصادية محفزة وتوفير خدمات التوظيف والإرشاد والاستشارات المتخصصة والمعلومات عن الأسواق ومتطلباتها، فضلا عن دعم المؤسسات الصغيرة والمتناهية الصغر.

واستنادا إلى ما يمرّ به العالم العربي من تحديات أمنية وسياسية، وسط تغيّر ملامح الاقتصاد العالمي في ظل الثورة الصناعية الرابعة، فإنّ البلدان العربية تحتاج لا شكّ إلى المزيد من التطوير في بيئة الأعمال لتصبح أكثر انفتاحا وجذبا وأكثر تكاملا، وما يتطلبه ذلك من تطوير وتحديث في البنى التحتية والتشريعية وفي الخبرات الفنية والعلمية والقوى البشرية المدربة والمؤهلة، إلى جانب تعزيز دور القطاع الخاص من خلال تأهيل المناخ الاستثماري وتفعيل الشراكة بين القطاعين العام والخاص. 

صحيح أن نتائج الإصلاحات تأخذ وقتا قبل أن تجنى ثمارها، كما أنأ استقطاب الاستثمار وتوليد الوظائف ليس أمرا سهلا في منطقة تتعاظم فيها التحديات، من جراء استشراء الصراعات في عدد من الدول العربية، بالإضافة إلى تأثير انخفاض أسعار النفط، والتباطؤ الاقتصادي في الاقتصاد العالمي، لكن تأخير الإصلاحات يؤدي إلى زيادة صعوبة تنفيذها في المستقبل.

وعلى جميع دول المنطقة أن تعمل لتمكين القطاع الخاص للقيام بدور استثماري أكبر، ولتخفيف عدم اليقين الاقتصادي من خلال الحفاظ على أوضاع اقتصادية كلية مستقرة وتحسين البيئة التنظيمية للاستثمار وتبسيطها، ورفع كفاءة الإجراءات الإدارية، وتحسين فرص الحصول على التمويل، وإزالة القيود على التجارة بما يسهل الاندماج في سلاسل القيم العالمية ويوفر تنوعا أكبر في الصادرات، وتعزيز الحوكمة والشفافية، وتطوير نظم التعليم والتدريب لتصبح قادرة على تخريج قوى عاملة مؤهلة للعمل في القطاع الخاص.

كما من الملّح أيضا أن تركز الحكومات على تعزيز كفاءة إدارة الإنفاق العام والبيئة المؤسسية، وترشيد الإنفاق العام والدعم، وتحسين بيئة الأعمال والأداء اللوجستي، والتركيز على التقدم النوعي والتكنولوجي ومشروعات البنى التحتية التي تحمل قيمة مضافة وتعزز كفاءة الاقتصاد وقدراته التنافسية.

ويمكن القول هنا، إن نظمنا السياسية والتجارية والاجتماعية قد لا تكون مستعدة أو قادرة على استيعاب كل التغيرات التي ستجلبها الثورة الصناعية الرابعة، كما لن يكون تفادي التغييرات الرئيسة التي ستطرأ على صميم بنيتنا الاجتماعية أمراً ممكناً. وللنجاح باستيعاب مضامين هذه الثورة، لا بد لقادة الأعمال من بذل الجهود لتوسيع مداركهم بمعزل عن منجزات الماضي، والإتيان بأفكار ونظم جديدة ومبتكرة. وعليهم الشروع بالتساؤل بشأن كل شيء حولهم، بدءاً بإعادة التفكير باستراتيجياتهم ونماذج أعمالهم، إلى اكتشاف الاستثمارات الصائبة والمناسبة في مجال التدريب.

إذا في ظل المستقبل الذي يتشكل من حولنا، فإنّه يتعين علينا أن نكون بمستوى التحدي لاستعادة التوازن في زمن الثورة الصناعية الحديثة.

إحصل على اشتراك سنوي في مجلة العمران العربي

اشترك الآن