تشرين الثاني (نوفمبر) 2017 العدد 202

  • 1 - 30 تشرين الثاني 2017

ثورة التغيير في العالم العربي

ما تزال الأوضاع التي تمر بها المنطقة العربية، نتيجة التحولات السياسية والأمنية من جهة، وتراجع أسعار النفط العالمية من جهة أخرى، ترخي بظلالها بشكل سلبي على أغلب اقتصادات البلدان العربية، حيث توقّع صندوق النقد الدولي في تقريره الأخير حول آفاق الاقتصاد العالمي، أن يصل انخفاض النمو الكلي إلى نهايته في البلدان المصدرة للنفط عند مستوى 1.7 في المئة عام 2017، وذلك بسبب انخفاض إنتاج النفط وفقا للاتفاق الذي تقوده منظمة أوبك، في مقابل تعافي النمو غير النفطي مسجلاً 2.6 في المئة تقريبا في 2017 مع اعتماد وتيرة أبطأ في تخفيض عجز الموازنة.

ولكن على الرغم من هذه الصورة القاتمة، هناك بارقة أمل ما تزال تلوح في الأفق، تجسّدت في إعلان صاحب السمو الملكي، ولي العهد السعودي نائب رئيس مجلس الوزراء رئيس مجلس إدارة صندوق الاستثمارات العامة الأمير الشاب محمد بن سلمان بن عبد العزيز، عن مشروع "نيوم" وهو أضخم مشروع استثماري بتكلفته إجماليّة تصل إلى 500 مليار دولار.

في الواقع إنّ الإعلان عن هذا المشروع في هذه المرحلة والتوقيت بالذات، يؤكّد أنّ المنطقة العربية ما تزال بألف خير، خصوصا إذا ما نظرنا بعين التفاؤل إلى الفائدة الضخمة للمشروع، خصوصا على صعيد توفير آلاف فرص العمل للشباب، لا سيّما وأنّ المشروع يمرّ عبر 3 بلدان عربية هي المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية والمملكة الأردنية الهاشميّة.

نستطيع القول اليوم، إنّ العالم العربي دخل مرحلة جديدة، تقوم في ما تقوم بالدرجة الأولى على تنويع مصادر الدخل والتخلّي شيئا فشيئا عن الاقتصاد الريعي القائم على الاعتماد على العائدات النفطية دون سواها، وفي الواقع إنّ مشروع "نيوم" يعتبر نموذجا عالميا رائدا، في مختلف جوانب الحياة، من خلال التركيز على استجلاب سلاسل القيمة في الصناعات والتقنية داخل المشروع الذي يمتاز بخصائص مهمة، أبرزها الموقع الاستراتيجي الذي يتيح له أن يكون نقطة التقاء تجمع أفضل ما في المنطقة العربية، وآسيا، وإفريقيا، وأوروبا وأميركا. يضاف إلى ذلك النسيم العليل الذي يساهم في اعتدال درجات الحرارة فيها. كما ستتيح الشمس والرياح لمنطقة المشروع الاعتماد الكامل على الطاقة البديلة.

لا تنحصر أهميّة المشروع وفق ما تسنى لي الاطلاع بما سبق وذكرت، بل إنّ من الأساسات التي يقوم عليها مشروع "نيوم" إطلالته على ساحل البحر الأحمر، الذي يعد الشريان الاقتصادي الأبرز، والذي تمرُّ عبره قرابة 10% من حركة التجارة العالمية.

صحيح أنّ قطار التغيير انطلق في المملكة العربية السعودية وفق ما قال صاحب السمو ولي العهد الأمير محمّد بن سلمان في كلامه لدى إعلانه عن إطلاق مشروع "نيوم"، لكن المفاعيل الإيجابية لهذا التغيير لن تكون وفق صندوق النقد الدولي محصورة بالمملكة بل سيفيد المنطقة بأسرها، وهذا مؤشّر إيجابي على عودة التعاون الإقليمي.

لقد آن الأوان لأن يتمكن العرب من مواجهة المشاكل الاقتصادية بما يمكن من توظيف الموارد والإمكانات لخدمة التنمية المستدامة، خصوصا أنّ العالم العربي ينعم بموارد مهمة مثل البترول والمياه والزراعة والموقع الملائم بين القارات وأهم من ذلك الثروة البشرية.

نعم هناك جاذبية لكن هذه الجاذبية الاستثمارية تتطلب معالجات تشريعية وتنظيمية لتسهيل الشروط القانونية والتسهيلات الإدارية بالإضافة إلى تحسين البنية التحتية. لذلك فالمرتجى التعامل مع المصاعب والعراقيل التي تحول دون تحسين بيئة الاستثمار، بالإضافة إلى العمل لتعزيز إمكانات التجارة البينية. يضاف إلى ذلك فلا بد من التركيز على معالجة المواضيع الاقتصادية والاتفاق على آليات لتنفيذ القرارات، وكذلك تطويع كل الأمور بما ييسر التنفيذ. والأهم أن الإنجازات الاقتصادية، إذا تحققت، ستؤدي إلى التمكن من تجاوز العديد من المشاكل السياسية حيث ستطغى المصالح الاقتصادية على تلك الخلافات.

إحصل على اشتراك سنوي في مجلة العمران العربي

اشترك الآن