التقرير الاقتصادي العربي 32 العدد 32

  • 1 كانون الثاني 2009 - 31 كانون الأول 2011

يصدر العدد رقم (32) من التقرير الاقتصادي العربي في الوقت الذي يحتفل الاتحاد العام لغرف التجارة والصناعة والزراعة للبلاد العربية بذكرى مرور ستين عاماً على تأسيسه الذي جرى عام 1951، وكذلك مع تصادف ذكرى مرور 50 عاماً على صدور العدد الأول من هذا الكتاب في عام 1961، الذي شكّل على مدى خمسة عقود مرجعاً أساسياً للتطورات والأوضاع الاقتصادية في البلاد العربية.

فالاتحاد هو أول مؤسسة اقتصادية عربية مشتركة يتم إقامتها بعد جامعة الدول العربية التي أقيمت عام 1945. ففي 8 - 9 أيار (مايو) من عام 1951 بادرت نخبة من قيادات الغرف العربية من كل من لبنان ومصر وسوريا والعراق وفلسطين والسعودية واليمن إلى عقد المؤتمر التحضيري الأول لتأسيس الاتحاد في مدينة الإسكندرية بجمهورية مصر العربية، حيث كانت الغرفة التجارية المصرية بالإسكندرية موئل الخطوة الأولى لتأسيس الاتحاد الذي تحقق بالفعل في المؤتمر الثاني للاتحاد الذي عقد في مدينة بيروت بتاريخ 16 - 20 كانون الأول (ديسمبر) 1951 برعاية وتنظيم من غرفة تجارة بيروت.

وكانت هذه المبادرة السبّاقة والرائدة تستهدف تكريس المرتكز العملي الأساسي المتمثل بالقطاع الخاص ومؤسساته من الغرف المتخصصة واتحاداتها لتحقيق التكامل الاقتصادي العربي على أسس سليمة وواقعية. كما استهدفت تدعيم الروابط ومجالات التعاون الاقتصادي والاستثماري والتجاري بين البلاد العربية في شتى القطاعات. ومنذ انطلاقه نادى الاتحاد بإقامة السوق العربية المشتركة سبيلاً إلى التكامل والوحدة الاقتصادية العربية، ووضع هذه الأهداف في قمة سلم أولوياته عاملاً على بلورة رؤية موحدة لمجتمعات الأعمال في البلاد العربية في سبيل تحقيقها.

ومنذ ذلك التاريخ لغاية الوقت الحالي حققت البلاد العربية تقدماً ملموساً في مشروعها التكاملي، خصوصاً بعد انطلاق منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى منذ عام 1998 واستكمالها في مطلع عام 2005. كما وضعت أسساً قوية لدفع المسار التكاملي تجلّت بنتائج قمة الكويت الاقتصادية لعام 2009 التي أطلقت مجموعة من المشروعات الواقعية والكبيرة لربط البنية التحتية للبلاد العربية، وحددت آليات ومواعيد محددة لقيام الاتحاد الجمركي العربي في عام 2015، تمهيداً لإقامة السوق العربية المشتركة في عام 2020.

لكن طريق المسار التكاملي العربي كانت ولا تزال حافلة بالحفر والعثرات والمخاطر التي أدت بالنتيجة إلى البطء الشديد في الحركة باتجاه هذا المسار، ناهيك عن الانحراف أو المراوحة اللذين سادا في معظم الأحيان، بل أوشكا أن يؤديا إلى تراجعه أو تعطيله في أحيان أخرى. ولذلك كانت الإنجازات، وإن تحققت، في مرتبة متواضعة جداً قياساً بالإمكانيات المتاحة للبلاد العربية، وبما تطمح إليه مجتمعاتها التي وضعت طموحاتها وآمالها لتحقيق هذا التكامل سبيلاً إلى كرامة العيش والمنعة والرفعة والرقي والتجدد الحضاري لدخول العصر الحديث. وكانت هناك أيضاً ولا تزال عقبات إجرائية أساسية تمثلت خصوصاً بالقيود غير الجمركية التي كانت تمارس وتعطل الفوائد الممكنة من منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى. وكذلك استمرت العقبات الهيكلية المتمثلة بضعف الترابط الاقتصادي العربي وقلة التنوع القطاعي وضعف الربط في البنية التحتية، إلى جانب التراجع النسبي في مستويات التصنيع وفي الإنتاج والإنتاجية وإهمال التنمية الزراعية والتكنولوجية، مما أدى بالنتيجة إلى اتساع حجم البطالة وتحولها إلى أزمة هيكلية متجذرة استفحلت بسببها الأزمات الاجتماعية على كافة المستويات.

ولا شك أن ما جرى ويجري حالياً في إطار «الربيع العربي» الذي تجاوز الحدود بين البلاد العربية يؤكد المنطق الجماعي للشعوب العربية، ويتلاقى إلى حد كبير مع مفهوم اتحاد الغرف العربية ووعيه بحتمية الوحدة الاقتصادية العربية، وبأهمية تصويب المسار الذي تأخذه المنطقة نحو المستقبل بمزيد من الديمقراطية والشفافية والإصلاح الشامل على المستوى الوطني والعربي المشترك، لكي نتجاوز حالة الانفصام الاقتصادي بين التنمية كمعدل نمو والتنمية كحقيقة واقعة لكافة البلاد العربية بجميع مناطقها ومجتمعاتها وفئاتها، ولكي يحقق المواطن العربي حلمه بالمشاركة الفعلية في العمل والقرار.

وفيما يدخل الوطن العربي الألفية الثالثة في مرحلة جديدة لا تزال تتشكل معالمها في إطار سلسلة من التحولات المستمرة، فإن الاقتصاد العالمي بدوره يعاد تكوينه ضمن مسار إعادة الهيكلة الجذرية التي فرضت نفسها ولم تتضح معالمها المستقبلية بعد. إنها بالفعل لمرحلة أقل ما يقال فيها إنها استثنائية، بل مفصلية ومفتوحة على كافة الاحتمالات.

وتجاه كل ما يحصل من تطورات تاريخية، فإننا نعاهدكم أن اتحاد الغرف العربية سيبقى، كما كان دائماً، لا يحيد عن اتجاه البوصلة نحو تحقيق أهدافه في التكامل والتنمية الاقتصادية والاجتماعية العربية، حاملاً شعلة القطاع الخاص إلى المزيد من التجدد والعمل والمثابرة والمبادرات والإبداع لخدمة وتنمية مجتمعاته ومواكبة طموحاتها التي هي أيضاً طموحاته التي يجهد لأجلها.

يتضمن هذا الكتاب التطورات الاقتصادية في كل من البلاد العربية خلال السنوات 2009 - 2011، كما يتضمن أيضاً تقييماً للأوضاع الاقتصادية واستشرافاً للآفاق المستقبلية في الدول التي شهدت وتشهد عمليات التغيير والتحول.

+ أضف تعليق

إلزامي

شكراً لك،
سنعاود الاتصال بك لاحقاً